بعد مرور ثلاث سنوات على هجوم السابع من أكتوبر 2023، لا يزال الجدل قائمًا داخل القاعدة الشعبية لحركة حماس في قطاع غزة بشأن جدوى قرار إطلاق عملية «طوفان الأقصى» وما ترتب عليه من خسائر بشرية ومادية هائلة. وبينما يتمسك بعض أعضاء الحركة باعتبار الهجوم محطة في صراع ممتد منذ عقود، يرى آخرون أن النتائج لم تحقق الأهداف المرجوة، في ظل استمرار الدمار والنزوح وتدهور الأوضاع المعيشية. ويرصد سالم الريس، في شهادات نقلها عن أعضاء في حماس داخل القطاع، تباين المواقف بين التمسك بالقرار ومراجعة حصيلته بعد سنوات من الحرب.

 

وبحسب تقرير نشره موقع المنصة، استطلع الكاتب آراء ستة من أعضاء حماس في غزة بشأن ما إذا كان قرار السابع من أكتوبر يستحق الثمن الذي دفعه الفلسطينيون، ورفض اثنان منهم الحديث في الوقت الراهن. ولا تمثل الشهادات الأربع الأخرى بالضرورة موقف القاعدة الشعبية للحركة بأكملها، لكنها تكشف كيف يتعايش الإيمان بضرورة تغيير الواقع القائم مع التفكير في حجم الخسائر والنتائج التي أسفرت عنها الحرب.

 

 

بين التمسك بقرار 7 أكتوبر وحجم الخسائر في غزة

 

يستعيد محمد الشريف، المسؤول المحلي في حكومة حماس بمدينة رفح، صباح السابع من أكتوبر 2023، حين كان يستعد للذهاب إلى العمل بينما يجهز أطفاله للمدرسة، قبل أن تنطلق الصواريخ من القطاع إيذانًا ببدء هجوم «طوفان الأقصى» على المستوطنات المحيطة بغزة. ويقول إن مشاهد اختراق السياج الحدودي والأسرى الإسرائيليين أثارت لديه شعورًا بالكرامة والارتياح، لكنه أدرك منذ الساعات الأولى أن الرد الإسرائيلي سيكون قاسيًا.

 

وبعد ثلاث سنوات، لا يزال الشريف متمسكًا بقراره، رغم فقدان زوجته وجنينها في غارة إسرائيلية استهدفت منزل أسرتها خلال الشهر الأخير من حملها، ومقتل أكثر من 17 فردًا من عائلته في غارات منفصلة، فضلًا عن تدمير منزله ومكتبه وممتلكات أخرى. ويربط الشريف أحداث أكتوبر بتاريخ أطول من الصراع يبدأ بالنكبة الفلسطينية عام 1948، ويمر بالانتفاضتين الأولى عام 1987 والثانية عام 2000، وصولًا إلى الحروب والعمليات العسكرية الإسرائيلية في الضفة الغربية وغزة خلال العقدين الماضيين.

 

ولا يرى الشريف أن الهجوم أنشأ الصراع، بل يعتبره مرحلة ضمن مواجهة ممتدة منذ عقود، ويعتقد أن تداعياته تجاوزت حدود القطاع وأثرت في النقاشات الدولية وصورة إسرائيل لدى قطاعات من الرأي العام الغربي. لكنه يقر بأن من عاشوا القتل والنزوح والفقد والجوع قد ينظرون إلى القرار بصورة مختلفة، معتبرًا أن الاختلاف في الرأي داخل المجتمع والحركة أمر طبيعي في ظل الخسائر البشرية والمادية الهائلة.

 

أما أميرة النحال، وهي إحدى المنظمات في حماس، فتتذكر أنها كانت تستعد للذهاب إلى المدرسة التي تعمل بها عندما سمعت بالأحداث. وتقول إن شعورها بالفخر تغلب في البداية على خوفها من رد إسرائيلي توقعت أن يكون واسعًا. وبعد ثلاث سنوات، لا تزال تصف السابع من أكتوبر بأنه «انفجار تاريخي» لشعب استُنفدت، بحسب تعبيرها، محاولات احتوائه وإخضاعه.

 

لكن النحال لا تتجاهل حجم الكلفة الإنسانية؛ فقد دُمر منزلها في رفح، وفقدت أقارب وأصدقاء وزملاء، كما توقفت المؤسسات التعليمية التي عملت بها عن أداء دورها بسبب القصف والدمار. وترى أن تقييم الهجوم لا ينبغي أن يقتصر على الخسائر، بل يجب أن يشمل ما إذا كان قد أعاد القضية الفلسطينية إلى صدارة النقاش الدولي، ووسع نطاق الحركات الشعبية المؤيدة للفلسطينيين في الجامعات والشوارع والنقابات الغربية، وأعاد طرح قضايا الدولة الفلسطينية وحل الدولتين.

 

ومع ذلك، تشدد النحال على ضرورة عدم إغفال الكارثة الإنسانية في غزة، وترى أن الحكم النهائي على حدث بهذا الحجم قد يحتاج إلى سنوات، لأن الأحداث الكبرى لا تُقاس بنتائجها الآنية وحدها، بل بما تحدثه من تحولات على المدى الطويل.

 

 

مراجعة النتائج: هل حقق طوفان الأقصى أهدافه؟

 

يقدم ماجد النابلسي، البالغ من العمر 58 عامًا، وهو عضو في حماس كان يعمل في التجارة، تقييمًا أكثر تشككًا في نتائج الهجوم. ويقول إنه شعر في الساعات الأولى بمزيج من الفرح والفخر، لكن هذا الشعور تبدد سريعًا مع بدء القصف الإسرائيلي وتدمير المباني السكنية. ويضيف أنه لم يتوقع حينها أن يصل الدمار إلى ما وصفه بالتدمير الكامل للقطاع.

 

وخلال السنوات الثلاث التالية، فقد النابلسي عددًا من أقاربه، ودُمر منزله وخسر تجارته وبضاعته، كما نزح مع زوجته وأطفاله وأسر أشقائه من مدينة غزة إلى جنوب القطاع. ورغم هذه الخسائر، يرى أن الضغوط المرتبطة بالقضايا التي دفعت إلى التفكير في تغيير الواقع لم تتراجع، بما في ذلك الاعتداءات في الضفة الغربية، والتوسع الاستيطاني، وتهويد القدس والمسجد الأقصى، بل تصاعدت، بحسب قوله، إلى مستويات غير مسبوقة.

 

وعندما سُئل النابلسي عما إذا كان قرار السابع من أكتوبر يستحق الثمن الذي دفعه الفلسطينيون، أجاب بوضوح بأنه لا يعتقد أن الهجوم حقق النتائج التي كانوا يأملونها. وأشار إلى أن الظروف المعيشية في غزة وصلت إلى مستويات بالغة الصعوبة، وأن الاقتصاد انهار، فيما واجه أصحاب الأعمال الذين حاولوا استئناف نشاطهم عقبات بسبب القيود الإسرائيلية المفروضة على دخول السلع، بذريعة أن بعضها يمكن استخدامه لأغراض مدنية وعسكرية.

 

وتطرق النابلسي أيضًا إلى ملف الأسرى الفلسطينيين، مشيرًا إلى أن بعض المفرج عنهم في صفقات التبادل أعادت إسرائيل اعتقالهم أو رحّلتهم خارج فلسطين، بينما اعتقلت آلافًا آخرين. ووفقًا لبيانات مؤسسات معنية بشؤون الأسرى، بلغ عدد الفلسطينيين المحتجزين في السجون الإسرائيلية نحو 9,350 أسيرًا ومعتقلًا مطلع سبتمبر 2026، مقارنة بنحو 4,935 قبل الحرب، استنادًا إلى تقرير لمنظمة «بتسيلم» نقلًا عن بيانات مصلحة السجون الإسرائيلية.

 

ويقول النابلسي إن نقاشات داخلية دارت بين كوادر الحركة وأعضائها بشأن القرار ونتائجه، لكنها لم تتحول، بحسب وصفه، إلى مراجعة تنظيمية أو سياسة جديدة. وأضاف أن هذه المناقشات ظلت في حدود التنفيس عن المشاعر، دون أن تفضي إلى قرارات أو خطوات تستفيد منها قيادة الحركة.

 

 

قرار الضرورة وثمن الحرب الذي تتحمله غزة

 

يقدم محمود هنية، وهو أحد كوادر حماس الشعبية، قراءة مختلفة للهجوم، إذ يعتبر أن السابع من أكتوبر لم يكن خيارًا فلسطينيًا حرًا بقدر ما كان قرارًا فرضته الضرورة، في سياق سياسي سابق شمل تعثر معالجة قضية اللاجئين الفلسطينيين، وتهويد القدس، ومسار التطبيع العربي الإسرائيلي، والتحذيرات التي قال إن يحيى السنوار، رئيس حماس السابق في غزة، أطلقها بشأن احتمال انفجار الأوضاع.

 

ولا يتحدث هنية من موقع المراقب؛ فقبل أيام قليلة من المقابلة، استخرج جثماني زوجته وطفله الوحيد عبيدة، بعدما ظلا قرابة ثلاث سنوات تحت الأنقاض إثر هجوم إسرائيلي أودى بحياة أكثر من 400 فلسطيني. كما فقد منزله ومكان عمله جراء القصف الإسرائيلي.

 

ورغم هذه التجربة الشخصية القاسية، لا يرفض هنية قرار السابع من أكتوبر، لكنه يضع الكلفة الإنسانية في قلب تقييمه، متسائلًا عما إذا كان ينبغي أن يتحمل قطاع غزة وحده عبء القضية الفلسطينية. ويكرر أن قرار حماس جاء بدافع «الضرورة»، بعد استنفاد الخيارات والتحذيرات واستمرار الحصار الإسرائيلي، لكنه يقر بأن الثمن الذي دفعه القطاع تجاوز قدرته على الاحتمال، مضيفًا أن قيادة الحركة لم تكن تملك، بحسب رأيه، خيارات أخرى.

 

ويرى هنية أن تقييم الهجوم لا يمكن أن يتوقف عند نتائجه العسكرية المباشرة، لأن تداعياته لا تزال مفتوحة على مستقبل المنطقة والقضية الفلسطينية. ودعا الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم إلى حشد جهودهم للمساعدة في تحمل الكلفة الباهظة التي يدفعها سكان غزة منذ سنوات.

 

وفي ظل استمرار الظروف المعيشية القاسية، يرى التقرير أن سكان القطاع لا يملكون رفاهية إجراء مراجعة نهائية لحدث لا يزالون يعيشون تبعاته يوميًا. فبالنسبة إلى الشريف، ينصب الاهتمام الحالي على توفير المياه والطعام ومأوى لأسرته، ويقول إنه لا يستطيع الحكم على «طوفان الأقصى» من واقع النتائج التي يعيشها، لأن الخطر، على حد تعبيره، لا يزال يهدده حتى اليوم.

https://manassa.news/en/stories/34399